خطة لإحياء الحضارة || مقومات الحضارة وأسسها.
المقدمة:
الحمدلله الذى خلق الإنسان فى أحسن تقويم،
وعدَّله ورفعه على كثير ممن خلق بالتكريم، وفضّله وأمره بمكارم الأخلاق تزكية
لنفسه الذى خلقها فسوَّاها حيث قال: "قد أفلح من زكَّاها وقد خاب من
دسَّاها"[1]
وشرّفه بمزية العقل ووهب له حلية الفضل، وعرّضه لبلوغ السعادة بإرادة الحق، أحمده
حمدًا لا يُغادِرُ معروفاً إلا أستوفاه، ولا يجاور مخوفًا إلا نفاه، وأُصلّي على
رسوله محمد الذى أرسله بدين الحق القويم، فدعا الناس جميعًا إلى الصراط المستقيم،
وجاهد فى الله حق جهاده وقام بطاعته، حتى وصفه فى كتابه القديم فقال: "وإنك
لعلى خلق عظيم" صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين له فى مكارم أخلاقه
وشيمِهِ وآدابه[2].
لعله من نافلة القول أن نؤكد أن التغلب على
المشكلة الحضارية فى عالمنا الإسلامى لا يمكن أن يحدث دون أن يكون هناك تضامن
حقيقي بين دول العالم الإسلامى وشعوبه، فالمشكلة الحضارية مشكلة معقدة ولا تستطيع
دولة واحدة أن تتكفل بحلها نيابة عن بقية دول العالم الإسلامى، وحل هذه المشكلة
الحضارية فى حاجة إلى وعى عام لدى المسلمين بالمشكلة وما لها من أبعاد مختلفة على
المستويات المادية والروحية والعلمية والأخلاقية والإقتصادية والإجتماعية
والثقافية، وهذا الوعى العام من شانه أن يولد ثقافة جديدة لدى المسلمين هى ثقافة
التغيير، تغيير الأفكار والأفهام والسلوك، وإتاحة الفرصة أمام العقل الإنسانى
للقيام بدوره المنوط به فى قيادة الأمة الإسلامية إلى بر الأمان، وهذا يعنى البعد
عن ثقافة الحفظ والتقليد السائدة التى تساعد على نشر الجهل والخرافات والشعوذات.
حيث أن يدًا واحدة لا تستطيع أن تصفق وحدها؛
فإن المسلمين فى حاجة ماسة إلى التضامن والتعاون؛ لإحداث هذا الوعى العام لدى
جماهير الأمة؛ لينطلق الجميع يدًا واحدة للبناء فى جميع المجالات.
وهذا يتطلب من الأمة الإسلامية وقفة صادقة مع
النفس، ومواجهًة جادًة لِعللها وأمراضها، وإرادة صلبة للوقوف فى وجه كل التحديات
التى تعترض طريقها نحو قفزة حضارية مأمولة، وفى الصفحات التالية نود أن نلقى الضوء
على "مقومات الحضارة وأسسها" التى إذا ماعملنا على تنميتها نكون بذلك
قدَّمنا خِطة عملية لإحياء الحضارة الإسلامية.
فالحضارة كما ذكرنا فى الأبحاث السابقة هى
مجموعة من النظم التى تنظم الحياة السياسية، الإجتماعية، الإقتصادية، العسكرية،
بالإضافة إلى التربية والتعليم والفنون، وكل ذلك مجتمعاً إذا ازدهر تقوم الدولة
بحضارتها، وإذا تدهور تسقط حضارة هذه الدولة.
وكما سبق -أيضًا- وعلمنا معنى الحضارة هى
"التفنن فى الترف وإحكام الصنائع المستعملة فى وجوهه ومذاهبه" وهذا
تعريف بن خلدون لها.
التمهيد:
بعد أن تحدثت المستشرقة الألمانية "زيغرد هونكه" عن حضارة العرب وما فيها من معجزة تسببت فى بعثهم هذا البعث تساءلت عن المقومات التى احتاجها العرب لتصبح لهم هذه الحضارة العظيمة؟!.
وللإجابة على هذا السؤال نقرأ الأيات التى وردت فى القران الكريم والتى بها الإجابة على هذه المستشرقة، يقول الله تعالى:"وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ . أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ . لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ".
فى هذه الآيات الكريمة صورتان متقابلتان
ومتناقضتان عن الإيمان والنفاق، ففى حين تشع صورة الإيمان فى حدث تاريخي مهم هو
إيثار الأنصار للمهاجرين على أنفسهم بكل ما يملكون، وخروجهم من شح ذواتهم إلى رحاب
القيم والمبادئ تتجلى صورة ثانية فى حالة النفاق والغل والكذب والدجل التى كانت
قائمة بين الكفار من أهل الكتاب والمشركين والمنافقين الذين وعدوهم بالنصرة ثم
خذلوهم وخانوهم، إن فى هاتين الواقعتين التاريخيتين واقعة إيثار الأنصار وحادث دجل
المنافقين وكذبهم على أهل الكتاب من اليهود الف عبرة وعبرة لنا.
فبرغم أن الآيات تحدثنا عن واقعة خاصة وقضية
معينة، الا أننا نستطيق من خلال التفكير بأفق واسع أن نستوحى منها قواعد لابد منها لبناء صرح الحضارة
الإسلامية الشامخ، وهذه من معجزات القران الكريم فإن الله قد أمرنا بتدبر القران
لهذا السبب ففيه كل ما نحتاجه ويحتاجه الإنسان ليعيش حياة كريمة آمنة مطمئنة، ذلك
أن الله هو خالق الكون وأعلم بالقواعد التى تجعل سير الحياة فيه أكرم وأسهل.
إن الإسلام وحده كان وراء هذا البعث العربى
والإعجاز الحضارى الذى حققه العرب، فلقد كان العرب بحاجة إلى عقيدة إلهية واحدة
تكون مصدر التجمع والتصور، ومنبع الفكر، ومنهج الحياة، مؤثرة فى المبادىء والشرائع
والأنظمة والأوضاع التى تنظم المجتمع أفراداً او جماعات مع نظام مؤثر فى الأخلاق
والآداب والتقاليد والعادات والقيم والموازين التى تسود المجتمع، وتؤلف ملامحه مع
سيادة القيم الإنسانية واستملاء الإنسان فى العقيدة الإسلامية والنظام الإجتماعى
الإسلامى.
الفصل الأول (*)
الإسس التى قامت عليها الحضارة الإسلامية
(من خلال الآيات السابق ذكرها)
- - أولًا: حب الآخرين
- - ثانيًا: السمو على الأمور المادية
- - ثالثًا: الإيثار على النفس
- - رابعًا: إيقاء النفس من الشح
- - خامسًا: الوِحدة منطلق تأسيس الحضارة
أولًا: حب الآخرين.
على الرغم من أن الإنسان مفطور على حب الذات، ولكن أولئك الأنصار كانوا
يستقبلون المهاجرين بالحب قبل كل شيء، وذلك عندما كانت وفود المهاجرين تتقاطر
عليهم تاركة بلدها، وأموالها، وإمكاناتها الإجتماعية، وقادمة صفر اليدين لا يملكون
من مال الدنيا شيئًا.
كان ذلك الحب هو الأساس الأول التى قامت عليه الحضارة الإسلامية ويظهر ذلك
من قول الله جل جلاله "يحبون من هاجر إليهم"، وقد يقول البعض أن من
السهل أن يداهن الشخص يظهر لغيرة الحب ويجامل الآخرين دون أن يكون ذلك الحب نابعاً
من قلبه، ولذلك جاءت تكملة الآية تقول: "ولا يجدون فى صدورهم حاجة مما
أوتوا" أى أن حب هؤلاء يسمو على كل
علاقاتهم، فما قيمة الدار، وما قيمة الأثاث والمتاع، وما قيمة العلائق المادية
الأخرى بجوار كل هذا؟!.
ثانيًا: السمو على الأمور المادية.
إن الإيمان هو القيمة الأسمى، فنفوس الأنصار كانت تسمو على الأمور المادية،
وعندما كانوا يدفعون للمهاجرين مبلغاً من المال أو يعطونهم ممتلكات كالديار
والأراضى، أو حتى زوجات يطلقها الأنصارى ثم يتنظر المهاجر لتكمل عدتها ثم
يتزوًجها، فإن الأنصار رغم ذلك كله لم يستعظموا ما قدموه ولا يرون له قيمة، فلا
يُلحِق بما قدّم منًا ولا أذى.
ثالثًا: الإيثار على النفس.
وهو منتهى البذل والعطاء والجود فى سبيل الله، فلو كان الشخص منهم يريد
شيئًا معينًا ووجد أخيه فى الإسلام يرد هذا الشيء، قدم حاجة أخيه على حاجته، فكان
البذل والعطاء ليس من الفائض على الحاجات فقط.
رابعًا: إيقاء النفس من الشح.
وكل الصفات الثلاثة السابقة مجتمعة تسمى بإيقاء النفس من الشح، فالإنسان
الذى يوقى نفسه من الشح، ويتحرر من ذاتيته وأنانيته فإنه سيلحق بتجمع المرسلين عبر
التاريخ وينضم لشخصيات عظيمة مثل: آدم، إدريس، نوح، إبراهيم، موسى، عيسى،
محمد عليهم جميعًا الصلاة والسلام.
وهذه هى الصفة الأساسية التى تتفرع منها سائر الصفات، وإننا إذا أردنا أن
نعرف أنفسنا وهل نحن فى عداد هؤلاء المفلحين، فإن هذه الصفة الفرعية هى مقياسنا،
فإن كان الفرد منّا محب للمهاجرين، لا يجد فى صدره حاجة مما أوتى، مؤثر على نفسه
ولو كان به خصاصة، عندها سينطبق عليه لقب المفلح كما قال الله جل جلاله "ومن
يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون".
خامسًا: الوحدة منطلق تأسيس الحضارة.
قد نكون لا نعيش أزمة حضارية، ولا نمر بغليان ثورى يهز مجتمعنا من الأعماق
فنحتاج إلى الإيثار، ولكن الذى لا ريب فيه هو أننا بحاجة إلى الوِحدة، وبداية
الوِحدة هو الإعتراف بالذنب كما يقول الله فى الآيات "والذين جاءو من بعدهم
يقولون ربنا اغفر لنا" وبذلك فقد اعترف الأوائل بإمكانية حدوث الخطأ منهم
وتهيأت لهم بسبب ذلك الإعتراف أرضية الوحدة.
إن أرضية الوِحدة تتطلب منا الإعتراف بذنوبنا، والإستغفار منها قبل أن نشير
إلى أخطاء الغير.
وأن لا يكون فى صدورنا غل للغير، ولا نتمنى الشر لهم أو وقوعهم فى الخطأ
وأى سوء عموماً تتمنى حدوثه للغير ولو فى نفسك وداخل صدرك.
إننا نعلم أن هناك خلافات، وأن هناك وجهات نظر مختلفة، وأسباباً تدعوا إلى
الشقاق، ولكن لابد أن نتمتع بتلك النفسية الرحبة التى تستطيع أن تستوعب الجميع،
ولابد من أن نصمد أمام الخلافات، فلا نستسلم لأى إنسان يثيرنا بصورة أو بأخرى،
بحيث تشتعل حرب لا تُبقى ولا تذر بسبب أمور ثانوية تافهة.
فمن العار علينا أن ندخل فى صراع من بعضنا البعض، والأعداء يتربصون بنا
الدوائر، والقران الكريم يأمر أن نكون أشداء على الكفار، أذلة مع المؤمنين.
الفصل الثانى
أُسس الحضارة الإسلامية
أولًا: العقيدة
- (1)
السمو الإنسانى
- (2)
النمو الحقيقي للأشياء
- (3)
الرجاء وطمئنينة القلب
- (4)
الجرأة والشجاعة فى مواجهة الشدائد
- (5)
الإحاطة والشمول
ثانيًا: النظام الإإجتماعى
- (1)
المساواة بين البشر
- (2)
العدالة المطلقة
- (3)
الحرية
- (4)
الأخوة
- (5)
الأخلاق والفضائل
أولاً: العقيدة:
العقيدة الإسلامية تقوم على صلة الإنسان
بالله, وتعطيه قيماً معينة، وشريعة تنظم الحياة الاجتماعية حسب هداية الله على أن
ترتكز هذه العقيدة على شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتعنى هذه
الجملة إفراد الله بالعبودية وحده دون سواه، والإعتراف بالخلق والسلطان له وتنزيهه
عن الشريك.
إن هذه العقيدة القائمة على التوحيد كانت لها
معطيات تسببت فيما وصلت له الحضارة الإسلامية من سمو وإعجاز أدهش العالم، وأثارت
تساؤلات علماء الغرب ومن هذه المعطيات التى تسببت فيها عقيدة التوحيد:
(1)السمو الإنسانى:
وذلك لأن العقيدة هذه
أعطت حامليها ومعتنقيها الطهارة فى أسمى معانيها وأجمل صورها، الطهارة من الشهوات،
فلا تستخذله شهوة ولا تطوعه غريزة شر، بل تعطية عقيدته قوة يستعصي بها على أى هوى
أو نزوة، فلا يضعف، ولا يستكين لعواطف الشهوات، وقد يضعف غيره الكثير برغم ما
أوتوا من علم وما بلغوا من حضارة.
وتعطيه كذلك كرامة يجالد بها عبودية الإنسان
للإنسان، وتسلط الطواغيت على حياته ودنياه، فلا يتخذ رباً إلا الله.
كما تعطيه السمو فى التفكير فلا يكون أسيراً
لرواسب ماضية ونِحَل متحرف، وقد كان هذا دأب الجاهلين من قبل.
(2)النمو الحقيقي للأشياء:
تبعث العقيدة
الإسلامية فى نفوس أصحابها التصور الحقيقي لقيم الأشياء، فلا ينطلى عليها غبش
الدعايات وبهرج الشبهات، فمن يعرف ربه يعرف شيمة نفسه، ويعرف قيمة إيمانه ويعلم
تسخير العوالم له، ويعلم كذلك أن الناس كلهم عبيد لله ، وكلهم من خيره يرزقون، فلا
تزلف لأحد إذن؛ لأن الكل مخلوق، والكل محتاج الى عطف الله ورضاه، وإذا استعان صاحب
العقيدة فإنما يستعين بالله، وإذا طلب فليطلب من الله.
ويعلم كذلك أن النفع والضرر من الله، وصدق
رسول الله صلى الله عليه وسلم فى تعليم
ابن عباس ذلك فقال له: "إذا استعنت فاستعن بالله، وواعلم أن الأمة لو اجتمعت
على أن ينفعةك بشيء لا ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك"[3].
(3)الرجاء وطمأنينة القلب:
تبعث العقيدة
الإسلامية فى نفوس أصحابها الرجاء فى الله وطمأنينة القلب، إذ يربى الإيمان القلب
على نفسية قائمة على الثقة بالله والرجاء فيه، فهو فى كل حال يتغلب على اليأس
والقنوط والجلد والثقة حتى يأتيه نصر الله وهو مطلع عليه، فيقول الله فى كتابه
العزيز: "وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداعى إذا دعانى،
فليستجيبوا لى وليؤمنوا بى لعلهم يرشدون"[4].
(4)الجرأة والشجاعة فى مواجهة الشدائد:
من
الأشياء المهمة التى تعطيها العقيدة الإسلامية لمعتنقيها، فهى تعطى صاحبها صفات
نفسية عامرة كريمة بغير حدود ومن هذه الصفات: الجرأة، الشجاعة، البسالة النادرة، الإقدام فى كل ميادين الحياة،
ولذلك ترى أن اصحاب العقائد ضربوا أروع الأمثال فى الإستقامة والقدوة بعد تاريخ
طويل فى الجهاله وحب الذات والشهوات واستطاعوا أن يفرضوا الإستقامة وأن يعلموا
الشعوب الهداية والرجولة ونبذ الإنحراف ومداواة النفس "المال والبنون زينة
الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخيرا أملا"[5].
(5)الإحاطة والشمول:
مما تتميز به العقيدة
الاسلامية الإحاطة والشمول حيث تعترف بالكتب السماوية كلها حيث يأمر الإسلام
بالإيمان بكل كتاب أنزله الله علي أحد من رسله، ومن مظاهر الإحاطه والشمول الدعوة
العامة لجميع البشر، وعدم التمييز بين جنس وجنس، ولون ولون، وفقير وغني، بل الكل
أمام الله سواء، والدين لهؤلاء جميعاً، والرسول أُرسل للناس جميعاً.
ومن إحاطة الإسلام وشموله بيان لجوانب الحياة
صغيرها وكبيرها، ما صلح منها وما فسد من طعام وشراب فأحل الطيب وحرم الخبيث، وقد
بين الإسلام أن الأعمال هي قوام المسلم، وهي ميزان بها يصعد، وبها يهوي،وبها يسود
في الارض وبها يضيع من قدمه الطريق.
ثانياً: النظام الإجتماعي.
الأساس الثاني للحضارة الإسلامية هوالنظام
الإجتماعي المتكامل الذي جاء به الإسلام، وصبغ به الحياة الإسلامية، وهو نظام
رباني اختاره الله للبشرية لينظموا حياتهم عليه، ويحييهم به حياة طيبة، ويسعدهم به
في الدنيا والآخرة، ولا تتداخل معه اهواء البشر الشاردة أو أنظارهم القاصرة، وإنما
هو وعي إلهي رائق ينظم حياة الناس وينسقها، كما ينظم حركة العوالم ويهذبها، ويسعد
حياة البشر ويهنيها ومن أهم أسس النظام:
(1)المساواه بين البشر:
يُقيم الإسلام
المجتمعات الإسلامية علي قاعدة مهمة مستقيمة هي: المساواة التامة بين البشر، ويقرر
المساواة علي إطلاقها فلا قيود ولا استثناء، وإنما مساواة تامة بين الأفراد،
ومساواة تامة بين الجماعات، ومساواة تامة بين الأجناس، ومساواة كاملة بين الحاكمين
والمحكومين، لا فضل لرجل علي رجل، ولا أبيض علي أسود، ولا لعربي علي اعجمي، فهذه
قومية عالمية ووحدة إنسانية متكاملة، تكون جماعة دولية تحمي فيها الإمتيازات
القائمة علي الإختلاف في الألوان والأجناس واللغات والحدود الجغرافية، ومن المُحال
أن تكون حضارة إنسانية عالمية إلا بتحقيق ذلك، لأنها من جانب تحافظ على فردية
الفرد، ومن جانب آخر تطهرها من كل ما قد يكون فيها من ميول متناقضة، وبذلك يكون
النظام الإسلامى قد قطع الطريق على النظام الطبقى وما يصاحبه من نظام اجتماعى.
(2)العدالة المطلقة:
التى قد كفلها الإسلام لكل فرد وجماعة وقوم، وجعلها قوام قاعدة ثابتة للتعامل لا تميل مع الهوى ولا تتأثر بالود أو البغض،ولا تتبدل مجاراة للصهر أو النسب، والغنى والفقر، والقوة والضعف. ومن أمثلة هذه العدالة التى أسسها الرسول وجعلها مبدأ نسير عليه من بعدة:
(أ)المساواة أمام القانون:
وهو عندما أهتمت
قريش بإمرأة مخزومية سرقت واعتزم النبى على قطع يدها لتكرار السرقة منها وجاءه
أسامة بن زيد يتشفع لها فقال له الرسول فى حزم "أتشفع فى حد من حدود الله
ياأسامة؟! ما بال أقوام يشفعون فى حد من حدود الله، انما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف
تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت
يدها"[6].
(ب)العدالة الإجتماعية:
التى ترعى المواهب
وتهيء لها الفرص بغض النظر عن فقرها أو غناها، وذلك لما أعتبر الرسول صلى الله
عليه وسلم الذي لم يفسح المجال لذوى المواهب مضيعًا لنعمة الله، فقال: "من
استعمل رجلًا من عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه، قد خان الله ورسوله
والمؤمنين".
(3)الحرية:
فى المجتمعات الإسلامية تتجلى الحرية فى أسمى معانيها، وأسمى مقاصدها، وأروع مظاهرها ومن هذه الحرية:
(أ)حرية العقيدة:
والتى أشار لها القران فى
أكثرمن موضع فقال الله جل جلاله "لا إكراه فى الدين"[7]
وقال أيضاً "أدع إلى ربك بالحكمة والموعظة الحسنة"[8].
(ب)حرية التفكير:
التى هى حرية التأمل والبحث
واستجلاء الحقائق غلى ما وراء الأشياء إلى غايتها ويدرك ذلك كل من قرأ القران
الكريم فقد وردت آيات كثيرة تحض على ذلك منها "وفى الأرض آيات للموقنين . وفى
أنفسكم أفلا تبصرون".
(ج)حرية القول:
جعلها الإسلام حقا شرعيا لكل
إنسان ليستطيع الناس القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وليقدر على
الشهادة بالحق دون خوف أو تكاسل أو تجاهل.
ووضع الإسلام ضوابط للحرية وهذا مايميزه على
غيرة من الأنظمة الوضعية فقد أقر الإسلام بحرية الفرد طالما لم يستبد برأيه،
وطالما أنه لا يضر بالصالح العام، ولا تتعارض حريته مع حق المجتمع كله.
(4)الأخوة:
وهى باختصار أن يقوم المجتمع
الإسلامى على اساس متين من الأخوة الإنسانية المتمثلة فى قول الله تعالى:
"إنما المؤمنون إخوة"[9]،
وأقام الإسلام الاخوة على اساس التعاون والإلتفاف حول راية القرآن.
(5)الأخلاق والفضائل:
وهى أصل الحياة وشعبها
التى تكوّن صرح المجتمع الإسلامى فقد رغب القران الكريم والرسول صلى الله عليه
وسلم فى الأخلاق وقال: "إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً"[10]،
وجعل الرسول يزيد فى ترغيب الناس فى حسن الأخلاق حتى قال لهم أنها من أكثر ما يدخل
الناس الجنة حينما سأله الصحابة عن أكثر ما يخل الناس الجنة فقال: " تقوى
الله وحسن الخلق"
ملخص البحث:
إن للحضارة جوانب كثيرة مترابطة فيما بينها،
لا نستطيع النهوض إلا بالإهتمام بها جميعًا، وليس فى ذلك صعوبة على قدر ما يحتاجة
من الجهد والإصرار، فقد علمنا التاريخ أن الدول تقوم من اللاشيء وتصبح فى عداد
الدول المتقدمة بمجرد إصرار شعبها وحكومتها على ذلك.
لقد كان لنا فى الدول السابقة التى وصلنا
خبرها من كتب التاريخ أسوة حسنة، ونجد أن عوامل القيام متفقة فى كل الدول نجد
العمران والفنون والإهتمام بالتعليم وتقريب العلماء والإغداق عليهم مما يجعل
انتاجهم غزير من جهة ويجلب غيرهم من جهة أخرى ويحفّز الطلاب والعلماء على الوفود
إلى البلاد والإقامة فيها.
نجد المماليك رغم عدم كونهم مثقفين بالقدر
الكافى إلا أنهم قربوا العلماء واغدقوا عليهم ومولوا المكتبات وأنفقوا عليها
وأمدوا العلماء بما يحتاجونه فنشطت حركة الترجمة ومنها كل الحركات الأخرى وكانت
مصر بسبب ذلك تنافس بغداد عاصمة الخلافة وكان والى مصر بسبب ذلك سلطاته مثل سلطة
الخليفة كل ذلك بسبب الحضارة والعلم.
نجد عبدالمؤمن بن على الخليفة الأول لدولة
الموحدين قد أنشأ مدرسة لتعليم الطلاب فنون الرياسة والسياسة والحكم والقضاء
والحرب مما أنتج له بعد ذلك قادة عظام حكموا أرجاء الدولة وأعتمد عليهم فى توطيد
حكمه، وكل ذلك بسبب العلم.
بالعلم سيخرج لنا العالم الذي ينتج لنا
قوانين تصلح للتطبيق وبها تنهض دولتنا، بالعلم سيخرج لنا القاضى الذى يحكم بالعدل
والفطنة والذكاء مما يجعل الأمن مستتب فى البلاد والأوضاع مستقرة.
وما إن تستقر الأوضاع حتى نجد نشاطاً فى حركة
التجارة، وأفكارا تجارية، تنتج هذه الحركة رخاء فى المعيشة، وبسطة فى الرزق.
إن عجلة الحضارة أشبهُ بالترس، المكون من عدد
من المحركات الصغيرة بداخلة نشبهها بالنظم، ما إن تحرك مُحرِّك إلا وتحرك غيره حتى
يتحرك الكل ومن ثَم تحيا الحضارة وتدور عجلتها، وما إن تعطل محرك صغير إلا تسبب فى
بطىء حركة الحضارة أو توقفها بالكامل.
ولهذا كان الإسلام يملك الشمولية والنظام
الكامل، حيث أنه أهتم بأصغر محرك فى هذا الترس وهو الإنسان، وأعطاه الحرية فى كل
شيء وأوصاه بالعلم والتعلم ونشر العلوم والتصدى للباطل والصدع بالحق ... الخ وكان
فى ذلك تحريكاً للنظام الحضارى ككل.
أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم
تم بحمد لله
محمد عبدالغفار بدر
[1] سورة الشمس: آية
10.
[2] بن أبى الربيع
(شهاب الدين أحمد بن أبى الربيع): سلوك المالك فى تدبير الممالك، تحقيق عارف أحمد
عبدالغنى، دار كنان، دمشق، ص35.
[3] حديث شريف: اخرجة
الترمذي من حديث عبدالله بن عباس حديث رقم 2516 وقال هذا حسن صحيح.
[4] البقرة: 186.
[5] الكهف: 46.
[6] حديث شريف: رواه البخارى،
رقم 6788.
[7] البقرة: 256.
[8] النحل 125.
[9] الحجرات: 10.
[10] البخارى: 3559.

تعليقات
إرسال تعليق