
التاريخ شأنه شأن بقية العلوم والمعارف؛ فالعلوم
الإنسانية متداخلة ومترابطة فيما بينها، بحيث لا يمكن أن تدرس علمًا مستقلًا عن
بقية العلوم والمعارف الأخرى. فعلى سبيل المثال، لا يستطيع الدارس أن يفهم معاني
القرآن الكريم دون أن يتقن اللغة العربية، وعلوم القراءات والتجويد… إلخ، وكلما
ازدادت معرفته بهذه العلوم ازداد فهمه ومعرفته بمعاني القرآن الكريم.
ونِعْمَ ذلك المثال بالشبه لدراسة علم
التاريخ والتي تحكمها علاقة قوية بمختلف أنواع المعارف الإنسانية، لهذا كان لزامًا
على المؤرخ أن يكون واسع الثقافة، عالما بالعلوم المتصلة بدراسة التاريخ وكتابته.
فالمؤرخ يحتاج إلى مجموعة من العلوم المساعدة التي تساعده وتعينه على الوصول إلى
الحقيقة التاريخية.
ويجدرالإشارة هنا إلى أن هذه العلوم تختلف أهميتها بالنسبة للمؤرخ
باختلاف العصر أو الموضوع الذي يود دراسته والكتابة عنه. فمثلاً، العلوم
المساعدة لدراسة تاريخ مصر القديم تختلف عن العلوم المساعدة لدراسة تاريخ الفتوحات
الإسلامية.وهذا يعني أن المؤرخ ممكن أن يستخدم أحد العلوم المساعدة عند دراسته
لموضوع معين ولايستخدمه عن دراسة لموضوع آخر.
وعلى ذلك، يمكن تقسيم العلوم المساعدة في دراسة علم التاريخ إلى
قسمين:
أولاً: العلوم الاجتماعية. ثانيًا: علوم الآثار والتراث.
أولاً:
العلوم الإجتماعية.
(1) علم الإنسان:
إن المؤرخ لابد أن يكون على علم ودراية
بأكثر العلوم التي تسانده على الإجادة والإفادة وفي مقدمتها علم الإنسان الذي
يعتبر بالنسبة للأجناس البشرية مرآة حياتهم وحضاراتهم، ومن خلاله يستطيع الوصول
إلى أفكارهم وعواطفهم الإنسانية.
كما أن علم الإنسان يعتبر أقرب العلوم
الاجتماعية ملائمة للتاريخ، لأن المشكلات التي يواجها علماء الإنسان والمؤرخون
أغلبها مشتركة، والخط الفاصل بين هذين العلِمين غير واضح.فعلماء الإنسان يعكفون
على دراسة ثقافة الإنسان البدائي، أما علماء التاريخ فيدرسون الإنسانالمتحضر.
وتتفق مكانة علم الإنسان وعلم التاريخ في باب العلوم الإنسان العملية إذ إن
مادتيهما ذات صبغة عامة، وأن علم الإنسان موجود كالميدان الذي يلتقي فيه كل من له
اهتمام بالإنسان.
إن علم الإنسان يتعرض إلى المسائل التاريخية عندما يتتبع التطور البشري وانتشار السكان على سطح الأرض، وبداية ظهور الثقافات والحضارات والهجرات والبناء الاجتماعي.
ومن هنا أستطيع القول: إن الثقافة تعتبر إحدى المفاهيم الكبرى لعلم الإنسان، كما أن التاريخ يعتبر سلسلة متتابعة من ثقافات متميزة، فكل تاريخ يتولد من ثقافة، كما أن كل ثقافة تتولد من تاريخها.
إن التاريخ هو وعاء الخبرة البشرية، وهو العلم الخاص بالجهود البشرية أو محاولة الحصول على إجابات عن أسئلة تتعلق بجهود البشرية في الزمن الماضي وفيها نتعرف على جهود المستقبل، وبدون شك فإن التاريخ يصبح علمًا له أصوله.
(2) علم الإجتماع:
إن البحث
التاريخي يعنى بالتغير الاجتماعي، وعلى ذلك فإنه يشمل ميدان علم الاجتماع حسبما
يتضح في المنظور الزمني الذي يتخصص فيه الباحث. إن هناك قصور في المواد التاريخية
التي يعود إليها المؤرخ وتتبعه لبعض مظاهر التغير الاجتماعي؛ مثل التغير السياسي
والديني والعسكري. مما جعل اهتمام المؤرخين يتحول عن الإطارات الاجتماعية
للمجتمعات القديمة، هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن أغلب علماء الاجتماع ركزوا
اهتمامهم الأكبر نحو دراسة الأنماط والمعايير التي يهيئها التفاعل الاجتماعي في
مجتمعاتهم الحالية.
المؤرخين قد يكتسبون أفكارًا ومدركات جديدة عن
طريق دراسة ماكتبه علماء النفس وعلماء الاجتماع عن الأسرة والجماعة، فلكل مجتمع من
المجتمعات آماله المرجوة ومثله العليا التي توجه أفراده ليعملوا بموجبها، وهذه
المعايير الاجتماعية يجب على المؤرخ أن يكون ملمًا وعارفًا بها.
وإن من الأمور التي يولي لها المؤرخون وعلماء الاجتماعالاهتمام دراسة الطبقات الاجتماعية، والتي يمكن تعريفها بأنها تجمعات أفراد ليس لهم غالبًا أي مميزات فارقة أصيلة ومن المواضيع التي على المؤرخ دراستها دور الوظيفة الاجتماعية، بحيث تشمل هذه الدراسة مختلف الأدوار التي يؤديها الأفراد حين القيام بتلك الوظيفة ، كما أن دراسة الانتقال في المجتمعات الصناعية المتقدمة من مرحلة العرف والعادات والتقاليد الشعبية إلى العادات والتقاليد والأعراف المدنية، توفر للمؤرخين وعلماء الاجتماع فرصة ممتازة للتعاون فيسهم في توسيع مجال الفكر والبحث عند المؤرخين، بل ويساعدهم في عملية تحليل محتوي البحث ومضمونه.
إن هناك كثير من الوشائح والصلات بين كل من علمي الاجتماع والتاريخ، فعلم
الاجتماع بفروعه المختلفة يساعد المؤرخين في دراسة وتحليل وفهم الأحداث التاريخية
التي لا يمكن أن تحدث إلا في مجتمع أو وحدة اجتماعية وتتأثر بالأوضاع السائدة فيه.
(3) علم السكان:
من العلوم التي ينبغي
على المؤرخين الاعتناء بدراستها علم السكان؛ والذي يهتم بدراسة أحوال الشعوب
وتكوينها وتوزيعها الجغرافي والمتغيرات التي تحدث فيها؛ مثل نسبة المواليد
والوفيات والهجرات .. إلخ. وغالبًا ما تستخدم بيانات ومعلومات هذا العلم من
المصادر الرسمية، إما عن طريق قوائم الإحصاءات السكانية والتي يتم إجراءها في
أوقات محددة، أو عن طريقة السجلات الرسمية، مثل: سجلات الزواج وسجلات الوفاة
والولادة، وسجلات الهجرة إلى داخل البلاد وخارجها. فعلى الباحث أن يدرس العلاقة
القائمة بين السكان والعوامل الأخرى المؤثرة في الدوافع الإنسانية المحركة للأحداث
التاريخية.
إن علم السكان له صلات وثيقة مع العلوم الاجتماعية وخاصة علم التاريخ، وهذا
يعود إلى توسعه في دراسات علم السكان وتفسيراته في هذا المجال واستعماله لبعض
المفاهيم والمفردات.
(4) علم الجغرافيا:
لا يخفى على دراسي التاريخ أهمية دراسة الجغرافيا
عامة؛ وجغرافية الإقليم المطروح للدراسة خاصة. وذلك لأن الجغرافيا – كما يقول
الدكتور جمال حمدان – قد تكون صماء، ولكن ما أكثر ما كان التاريخ لسانها، فالتاريخ
ظل الإنسان على الأرض كما أن الجغرافيا ظل الأرض على الزمان. فالتاريخ – كما عبر
البعض – ما هو إلا جغرافية متحركة، بينما الجغرافيا تاريخ توقف.
فلا يتصور
مطلقًا فهم الإنسان، بدون دراسة البيئة الجغرافية التي نشأ وتربى فيها، إذ لا يخفى على أحد أن أثر البيئة كبير على الإنسان، أو كما يقول الأستاذ هنري بر المشرف
على صدور الموسوعة التاريخية الكبرى تطور الإنسانية في تقديمه للمجلد
الرابع منها، وعنوانه الأرض والتطورالبشري
يقول : لا ريب أن أثر البيئة قوى جدًا على الإنسان؛ فالجفاف، والرطوبة،
والرياح، والضوء، والحرارة بل وكهرباء الجو تستطيع أن تُعدل من صفات الكائن الحي
تعديلاً دائمًا أو مؤقتًا. سواء كان هذا الكائن حيوانًا أو نباتًا. إن البيئة بلا
شك تركت أثرها القوي في تكوين الإنسان خَلْقًا وتفننًا.
إن طبيعة الأرض
ومصادرها وبما تتميز به من صفات، أثرت تأثير كبيرًا في بيئة الإنسان ووجهت ظروفه
وحددت ملامح تفكيره. بل إن الظواهر الجغرافية من سهول وجبال وصحاري وأنهار وبحار
والثروات الطبيعية والموقع الجغرافي كلها تؤثر في تكوين الإنسان الفسيولوجي
والنفسي ونظمه السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بل في سير معاركه وفي حربه
وسلامه.
وقد لعب الموقع
الجغرافي الاستراتيجي لبعض الدول دوارًا كبيرًا في تحركها نحو الحضارة والتجارة
والتوسع وبناء الإمبراطورية. كما أن الطبيعة الجغرافيةتتدخل أحيانًا تدخلًا حاسمًا
في تغير مجرى الأحداث التاريخية.
يُضاف إلى ذلك، أن
المناخ له دور كبير في حركة الإنسان وتقدمه الحضاري، فعندما يكون المناخ مناسبًا
للحياة يكون الاحتكاك الاجتماعي أسرع. فعادةً ما تنشأ الحضارات من الاحتكاك
المتمثل في البيع والشراء، بل إن المناخ يتدخل أحيانًا في تغيير مجرى بعض الحوادث
التاريخية.
يضاف إلى ذلك،
أن للثروة الطبيعية أثرها الكبير في التاريخ، فغالبًا ما تنشأ الحضارات في السهول
والوديان حيث المراعي والمزارع؛ فوجود نهري دجلة والفرات في العراق مكّن الإنسان
منذ القدم من الزراعة والاستقرار وبناء الحضارة. فالدولة الغنية بهذه الموارد
الأولية إذا كانت قوية فإنها تستغل هذه المصادر لتزيد من قوتها. وأما إذا كانت
الدولة فقيرة ومتخلفة فإن وجود هذه الموارد الطبيعية على أرضها يكون سببًا رئيسًا
للطمع فيها وغزوها.
صفوة القول، أن علم
الجغرافيا ضروري لدارسي التاريخ، ودوره مهم في فهم الأحداث التاريخية، فعلى الباحث
في التاريخ أن يتعرف على الأحوال والعوامل الجغرافية المختلفة التي تحيط بالشعب أو
بالعصر أو بالناحية التي يدرسها على النحو الذي يزيد من إمكانيته في البحث والدرس
والفهم.
(5) علم الاقتصاد:
هو العلم الذي يعنى بدراسة نشاط الإنسان الاقتصادي وأنظمة الإنتاج التي عرفت عبر التاريخ، وهو يعتبر أحد العلوم المهمة المساعدة على دراسة التاريخ وفهمه بشكل صحيح. وذلك لأن العوامل الاقتصادية ذات أثر فعال على مسار التاريخ الإنساني
إن الوضع السياسي في أي دولة ـ عادة ـ ما يتأثر بالوضع الاقتصادي، فطريقة توزيع الثروات الاقتصادية، سواء المادية أو النقدية، على طبقة أو فئات من المجتمع له تأثيره على السياسة الداخلية، ويحدد علاقة هذه الطبقات والفئات مع بعضها البعض، ويفصح عن نظام الحكم ومستوى المعيشة، وفي مدى التقدم الحضاري الذي يحصل. فالدولة القوية اقتصاديًا ـ عادة ـ ما يكون النظام السياسي فيها مستقر والعمران والرخاء مزدهر كما أن الوضع الاقتصادي له تأثيره في علاقات الدول الخارجية، سواءً العلاقات الاقتصادية أو العسكرية أو السياسية.
والجدير بالذكر، أن هناك ثلاثة ميادين مهمة من ميادين البحث الاقتصادي تهم المؤرخ، وهي: تحليل دورة العمل، والتقدم الاقتصادي، وتنظيم العمل.
(6) العلوم السياسية:
لازالت الأحداث السياسية تشكل ملامح التاريخ العام وتلقي الجانب الأكثر من اهتمام أغلب المؤرخين. إن علم السياسية يهتم في المقام الأول بتكوين الجماعة السياسية المؤثرة، وعلى العوامل التي تقف خلف صناعة القرار وطريق الحكم والسلطة ووضع الدساتير والعقوبات التي تصدرها الحكومات ضد المخالفين لأنظمتها.
ومن أهم اهتمامات علماء السياسة الاهتمام بالعوامل الحاسمة في رسم السياسة العامة للدولة وتنفيذها. ويعنون كذلك بنظم الحكم المقارن، والعوامل الاجتماعية التي تحرك القرارات السياسية وأصولها التاريخية وتحولاتها، والاهتمام بالنظام الذي ينسق المعتقدات السياسية، وهو ما يعرف بـ الأيدولوجية والتي تنبع من الفلسفة السياسية والقانونية. فعلى المؤرخ الاهتمام بهذا الجانب لارتباطه بالقرارات السياسية والتي هي بدورها تصبح أحداثها تاريخية. ومن خلال ذلك ممكن معرفة كيف تسير الدولة وكيف تعمل مؤسساتها التشريعية والقضائية، كما أن على المؤرخ المقارنة بينها وبين مؤسسات مشابهة أو مختلفة في بلاد أخرى، ليحقق المؤرخ أهدافه من الكتابة.
ومن أهم الجوانب التي يعني بها علم السياسية؛ العلاقات الدولية التي تعرف بالدبلوماسية. ويعتبر هذا الجانب في غاية الأهمية للمؤرخين؛ وذلك لأن العلاقات بين الدول والمعاهدات والاتفاقيات التي تعقد بينها تشكل اتجاه السياسية العالمية، وقيام التحالفات العسكرية والقومية بين الدول، وكذلك قيام الحروب، وعقد المعاهدات. كل ذلك منبعه من علم السياسية من جهة، ومن جهة أخرى فهو المصدر الأول للمعلومات بالنسبة للمؤرخ.
ومن ميادين علم السياسية -أيضًا- تاريخ الفكر السياسي وتطوره وفكرة ظهور الدولة، وهي الوحدة السياسية للمناطق المتحدة. وهذا المجال يهم المؤرخ بل يعتبر من صميم عمله، فالتاريخ يبدأ من نشوء المجتمع الذي نسميه الدولة.
(7) علم النفس:
يعتبر علم النفس من أهم العلوم التي يجب على المؤرخ معرفتها والإحاطة بها، وتأتي هذه الأهمية من أن معرفة نفسية الحاكم أو الزعيم وكل مايتعلق بها من عقد ورواسب تكون سببًا في حدوث تغير في مصائر الأمم والشعوب.
ولكي يفهم المؤرخ تاريخ العلوم في بلد معين لابد من دراسة السيكولوجيا الاجتماعية، فبدونها من الصعب فهم التطور المادي في المجتمع. ونعني بالسيكولوجيا الاجتماعية هي العواطف والأفكار إلى تسيطر في زمن ما على طبقة اجتماعية معينة في بلد معين. إن دراسة السيكولوجيا الاجتماعية تساعد المؤرخ على أمرين في غاية الأهمية بالنسبة للبحث التاريخي أولهما: تشخيص الحقائق التاريخية، وثانيهما: وضع تفسير ومبادئ لتفسير هذه الحقائق.
صفوة القول، إن المؤرخ الذي لايدرك أهمية علم النفس في دراسته لا يستطيع تحليل الوقائع التاريخية التي تنشأ بسبب هذه الأمراض النفسية تحليلًا سليمًا وسيشكل عليه الأمر ولا تستقيم له الأحكام.
(8) الأدب والفنون:
يعتبر الأدب أحد العلوم المساندة للمؤرخ، حيث أن الأدب هو مرآة لحياة الشعوب، ومن خلاله يعبر الأدباء عن كل مايجول في أفكارهم وأحاسيسهم ومشاعرهم وتفاعلهم مع الأحداث. كما إن الأدب يصور ما بداخل الناس من أحلام وأماني، ويرسم طبيعة الحياة في المدينة أو في الريف أو في الاقتصاد أو في الحرب والسلام.
إن الأدب له أهمية كبرى في دراسة التاريخ، وذلك لاحتوائه على كثير من المعلومات التي قد لا توجد في بعض المصادر التاريخية الأخرى. ففي تراث الشعوب وحضاراتهم القديمة نجد أعمالاً أدبية تذكر حوادث تاريخية متعددة، تصور حياة البشر من نواحي مختلفة. وبالتالي قد تكون مصدر من مصادرالتاريخ التي يُعتمد عليها.
كما توجد في التاريخ العربي أعمال أدبية تساعد المؤرخين على معرفة التاريخ العربي وأهم الأحداث التي وقعت فيه، لذا فقد قيل: إن الشعر الجاهلي “ديوان العرب”.فمن خلال هذا الشعر يمكننا أن نتعرف على كثير من النواحي الاجتماعية والنفسية عند العرب في العصر الجاهلي.
ثانياً:
علوم التراث والأثار.
(1) علم المسكوكات.
هو العلم الذي يهتم بدراسة النقود والمسكوكات وتطورها عبر العصور. فالمسكوكات تعتبر أحد أهم مصادر دراسة التاريخ المهمة. فالعملة المسكوكة والأنواط بما تحمل من رموز وصور الآلهة وصور الملوك والأمراء وأسمائهم وتاريخ ضربها وذكرى الحوادث التاريخية ونوعية المعادن المسكوكة فيه تقدم للمؤرخين معلومات .تاريخية قيمة عن مختلف نواحي الحياة قديماً.
إن المسكوكات القديمة مرآة الاقتصاد في عصرها التي ظهرت فيه، لأن الغرض من سك النقود هو تسهيل النشاط التجاري حيث كان التعامل قبل ظهور النقود بقطع المعادن الثمينة مثل: الذهب والفضة ونظرًا لشدة التنافس على الحركة التجارية بين المدن تدخلت حكومة الدويلات ووضعوا أختامهم عليها لضمان نقاوة معادنها ووزنها.
يقول أحد الباحثين المعاصرين: إن دراسة العملة علم وفن وتاريخ، علم لأن لها أصول وقواعد، وفن لأن العملة مجال دراسة فنية وتصويرية، وتاريخية لأنه يسهل تصنيفها زمنيًا وحسب الأماكن التي ضربت فيها، فضلاً عن النقوش والتواريخ التي تحملها العملة. ولهذا ساهم علم دراسة النقود مساهمة كبيرة في إثراء المعرفة التاريخية ببلدان العالم القديم والحديث، خاصة عندما تصمت الوثائق أو تعجز عن التعبير أو تكون نادرة.
(2) الأختام والرنوك:
تتصل الأختام بدراسة الوثائق، وهي التي نمهر بها الوثائق المتعلقة بالمكاتبات الرسمية للحكام أو الملوك. وقد استخدم الإنسان الأختام منذ أقدم العصور كوسيلة لإثبات الملكية، أو لتأكيد صحة قرار أو اتفاق أو معاهدة وخاصة من قِبل الملوك والحكام.
هذا، وتتميز الأختام بأشكالها وأنوعها المختلفة، ومن ذلك أختام الشمع الذي شاع استخدامه منذ أزمان بعيدة ولايزال يستخدم في بعض المناطق إلى عصرنا الحالي. كما وجدت أختام من الرصاص استخدمت من قِبل الأمراء والملوك خاصة في أزمنة مختلفة، ووجدت أختام من الذهب في العصور الوسطى واستخدمت عند بعض الأسر الحاكمة إلى زمن قريب.
ومن أشكال الأختام: المستدير، والبيضوي، والمثلث، والقلب، والصليب. وبالتالي، فإن معرفة أنواع الأختام وأشكالها والمواد المصنوعة منها تفيد الباحث بالتاريخ في التثبت من صحة الوثائق التي يقوم بدراستها.
ومن الجدير بالذكر،أن المسلمون والعرب عرفوا الأختام منذ القدم، واعتبر ابن خلدون الخاتم من الخطط السلطانية والوظائف الملوكية كما ذكر في كتابه أنه ثبت في الصحيحين أن الرسول عندما أراد أن يكتب إلى قيصر الروم، فقيل له: إن العجم لا يقبلون كتابًا إلا أن يكون مختومًا، فأخذ خاتمًا من فضة وكتب عليه “محمد رسول الله” في ثلاثة أسطر، بحيث كل كلمة في سطر..
أما الرنوك فهي: إحدى العلوم المساعدة في دراسة التاريخ، والمقصود بها العلامات المميزة الخاصة بالملوك، أو الأمراء أو الأُسر والجماعات أو الأفراد التي تظهر على الأختام أو الدروع أو السيوف أو على ملابس العساكر والنبلاء أو على الأعلام لتمييزهم عن غيرهم والدلالة عليهم .
ولقد عرفت هذه الرنوك أو العلامات منذ القدم وحتى العصور الوسطى سواءً في أوروبا في الغرب أو عند المسلمين في الشرق ومن أهم هذه العلامات؛ الكأس والسيف والدواة والنسر والهلال وذيل الحصان والصليب. ثم صار للنبلاء والوزراء والقادة ورجال الكنيسة وطوائف الرهبان وكبار الموظفين رموزًا خاصة بهم .
(3) علم الخطوط القديمة:
فكما أن لكل عصر لهجته المتميزة فإن لكل عصر خط يتميز به وتُكتب بها لغته، ويتطور هذا الخط عبر الزمان. وبناءً على ذلك، فإن علم الخطوط القديمة يدرس نشأة الخط الذي تكتب به لغة ما وتطورها ورموزها والتغيرات التي طرأت عليها والأدوات التي استعملت فيها.
إن هناك أنواع مختلفة من الخطوط القديمة تبقى كالطلاسم حتى يتعلمها الباحث ويتدرب على قراءتها. وقد ظهرت أهمية هذا العلم بعد أن استطاع الباحث الفرنسي (شامبليون) من حل أصول اللغة الهيروغليفية القديمة وذلك في عام 1798م، وأثبت أن ما نقشه قدماء المصريين على آثارهم لم تكن للزينة بل هي كتابة للغتهم التي احتوت على أحداث تاريخهم وأهم أعمالهم.
(4) الوثائق:
يعتبر علم الوثائق من أهم العلوم الأساسية لدراسة التاريخ، والوثائق تدل بمعناها العام على كل الأصول التي تحتوي على معلومات تاريخية سواء دُوِّنَ على الورق أو على غيره. أما معناها الذي اصطلح عليه الباحثون في التاريخ، فهي:” الكتابات الرسمية- أو شبه الرسمية – مثل: الأوامر والقرارات والمعاهدات والاتفاقيات والمراسلات السياسية والكتابات التي تتناول مسائل الاقتصاد أو التجارة ، أو عادات الشعوب ، أو نظمهم وتقاليدهم وما يصيبهم من قوة أو ضعف، أو المشروعات أو المقترحات المتنوعة التي تصدر عن المسؤولين في الدولة أو التي تقدم إليهم ، أو المذكرات الشخصية أو البومات.
فينبغي على الباحث في التاريخ أن يتعلم المصطلحات الخاصة بالوثيقة ، وأن يعرف نوع الحبر المستعمل في الكتابة والأقلام التي كتب بها وأنواع الورق المستعمل وخصائصه ، وأن يتأكد من صحة الوثيقة من خلال وصفها وتحديد تاريخها ومصدرها وعصرها ومؤلفها ، فإذا تأكد من كل ذلك تكون الوثيقة جاهزة من قِبل المؤرخ.
إن الوثيقة هي مصدر رئيسي يعتمد عليها المؤرخ في دراسته. فمعرفة مصطلحات الوثيقة وكيفية التعامل معها هي الطريقة التي تعين الباحث على الاطلاع على أسرارها، كما يتطلب من الباحث معرفة لغة الوثيقة والخط الذي كتبت به ، وأسلوب الإنشاء الذي كان سائدًا في عصر تدوين الوثيقة والافتتاحات التي كانت تفتتح بها والخواتيم التي كانت تنتهي بها.
(5) علم الآثار:
هو علم يعنى بدراسة آثار الإنسان ومخلفاته من بيوت وقصور عاش فيها والقبور التي حوت رفاته والمعابد التي تعبد فيها والمنحوتات والأدوات المختلفة الحجرية والمعدنية والفخارية وكل ما يتعلق بحياة الإنسان ونشاطاته في الماضي بكافة عصوره وفتراته الزمنية.
إن الإنسان له تاريخ طويل يمتد إلى ماقبل اختراع الكتابة ودراسة ما قبل ذلك يعتمد على ما يقدمه له دراسة آثار الإنسان المادية التي خلفها في المواقع والأماكن التي استوطنها أو أقام فيها منذ بداية ظهور الإنسان على الأرض هذا وتتميز الآثار بأصالتها ومعاصرتها للحدث كما أنها غير قابلة للتحريف بعكس الوثائق المكتوبة فهي توضح كثير من جوانب الحضارات، مثل الأحوال الاجتماعية والاقتصادية. وهناك كثير من المناطق والعصور يعتمد في التأريخ لها على الآثار أكثر من غيرها.
ورغم أن البحث عن الآثار قديم جدًا إلا أنه كعلم يعتبر تطورًا حديثًا قد لا يزيد عن مائة عام إلا قليلًا، مع ذلك فقد توصلنا معه إلى نتائج مبهرة. فينبغي على المؤرخ أن يشاهد بنفسه آثار العصر الذي يكتب فيه، وأن يقارن بينها وبين غيرها ويزور الأماكن التي اكتشف فيها الآثار ليستنبط ويستخرج منها بعض أحكامه التاريخية. كما عليه أن يبحث عن متعلقات أخرى لتعم الفائدة ولا سيما المخلفات الشخصية ، التي تعين وتساعد المؤرخين.
(6) علم اللغات:
علم اللغات من أهم العلوم المساعدة التي لابد للباحث في التاريخ أن يتزود بها فينبغى على المؤرخ من معرفة اللغةالأصلية المتعلقة بالموضوع التاريخي الذي يرغب الكتابة والبحث عنه . لأن الترجمات ـ وإن وجدت ـ غير كافيه لتحصيل الثقافة العامة ، كما أنها غير قادرة على تلبية حاجات البحث ، إضافة إلى إمكانية كونها محرفةأو غير دقيقه.
وكلما كان الباحث مُلمًا بعدد من اللغات الأصلية القديمة أو الحديثة ، اتسع أمامه أفق البحث والاستقصاء ويصبح أكثر قدرة على التعامل مع الموضوع بشكل صحيح واستخراج نتائج منطقيه . وحتى يكون الباحث في التاريخ على اطلاع دائم بالأبحاث العالمية المتجددة التي تتعلق بمجال بحثه فينبغي عليه أن يلم بلغة أو أكثر من اللغات الأوروبية الحديثة كالإنجليزية والفرنسية والألمانية . وقد يرى الباحث أن تعلم اللغات – القديمة أو الحديثة – أمرًا صعبًا ولكن برغبة الباحث وجديته في تعلم هذه اللغة والصبر على ذلك تزيل هذه المصاعب.
مما سبق أستطيع القول، إن على الباحث أن يكون حريصًا على دراسة ما يلزمه من اللغات سواء كانت صعبة أو قديمة أو نادرة حتى يستطيع الرجوع إلى الأصول والمصادر التاريخية الأولى. وبدون ذلك لا يمكنه السير قدمًا في سبيل البحث التاريخي ، وحتى يستطيع التعبير كما يريد بشكل سليم ودقيق وواضح.
(7) علم النقوش:
هو العلم الذي يدرس الكتابات المنقوشة والمنحوتة على الأحجار والمعادن وعلى الأواني الفخارية أو التوابيت على اختلاف أغراضها، فمنها التذكارية أو الدينية أو شواهد القبور أو الكتابات الملكية .
إن لكل حضارة -ولكل شعب- نقوشها الكتابية الخاصة بها، فمثلًا: هناك نقوش ثمودية، ونقوش سبئية، ونقوش حميرية، ونقوش أرمينية، ونقوش فينيقية، وغيرها.
وبفضل اكتشافات الأثريين المتزايدة للنقوش فإنها تعتبر مصدرًا مهمًا تعطي المؤرخين الحيوية والتجديد وبدونها تتجمد المعلومات. ولهذا ستظل النقوش تقدم للمؤرخين المصدر والمادة.
يقول الأستاذ وودهيد في كلامه عن النقوش: "إن المؤرخ عن طريق إلمامه ليس بالنقوش فحسب ، بل بسائرالعلوم المساعدة الضرورية ،تصبح مهمته أشبه بمهمة القائد الأعلى للجيوش في الميدان الذي يحرك فروع القوات المختلفة لصالح المعركة ، ولا يشترط أن يكون دقيق الإلمام والخبرة بطبيعة عمل كل فرع ولا يتدخل فيه تدخلًا دقيقًا".
نستنتج من هذا القول، أنه لا يجب على المؤرخ أن يصبح عالمًا في النقوش ، بل يكفي معرفته بقراءة النقش وتحليله وكيفية استخدامه . وكلما كان المؤرخ ملمًا بنقوش لغة العصر الذي يدرس فيه كلما كان أقرب إلى المعرفة الأصلية.
إن علم النقوش يحتوي على آلاف القرارات والمعاهدات القديمة التي تم نقشها على الحجر وبعض من هذه القرارات ترتب عليها تطورات مهمة حدثت من آلاف السنين ، وهذا يعطي النقوش أصالتها وأهميتها، وبالتالي سيقرأها المؤرخ مباشرة وكأنه يعيش العصر الذي كُتبِت فيه.
وتسهيلا للبحث العلمي فقد لجأت الجامعات والأكاديميات إلى جمع النقوش المتفرقة في مجلدات منظمة، حتى توفر على الباحث مشقة السفر والبحث عن هذه النقوش.
تم بحمد الله
محمد عبدالغفار بدر
تعليقات
إرسال تعليق