أنتَ ما صنعتهُ السوشيال


 

 تـكلَّم أنتَ .. أُريدُ أن أُحادِثُكَ أنت .. أُريدُ أن أراك.

نتيجة لكون العالم أصبح قرية صغيرة، وأصبحت المواقع المجانية منبر من لا منبر له، كذلك وأصبحت أكثر انتشارًا  اتساعًا واستخدامًا بالتوازي مع الظروف التي يمر بها العالم، مما جعل الحياة الرقمية تحُل تدريجيًا محل الحياة الواقعية، وفي ظل غياب للأصول والمبادئ الخاصة بالحياة الواقعية في هذا المجتمع الإفتراضي، أجدُ أنه لابُد أن أقول هذه الكلمات.

"لا تكُن منشورًا على الفيسبوك". في الحياة الواقعية كان الأهل والأساتذة يعلموننا مبادئها التي لها أصل تربوي مدروس وممنهج، فتجدُ المعلومة تنتقل من فُلان -العالم الحكيم الثقة الذي درس وجرَّب- إلى فلان العالم لينقلها الاخير إلى طُلابه، فيأخذها الطالب ويسير عليها إلى أن ياتى اليوم الذي يتحقق منها حال كونه عرف كيفية البحث والتحري والتدقيق، ثم بعد التأكُّدِ يصبع داعي لتلك المعلومة، يقولها لناس ويُعلمها للجيل الذي يليه.

وكان العُرف والعادات تقول لنا (فُلان كبير وحكيم؛ فخُذ منه العلم) (فلان أُستاذ ومُعلِّم أجيال فسِر وراء نصيحته) (هذا كِتابُ جيد قرأهُ صديقي وأخي الكبير ومُعلمي؛ فسأقرؤه واستفيد مما فيه)، فتجد أفراد المجتمع حتى المُختلفين مع بعضهم فيه يتكلمون ويتحدثون مع بعضهم البعض وفق تلك الأُصول والمبادئ.

أما الآن فقد أخذ جيل كامل نصف معرفته ومبادئه من غير تأصيل، وانتقل جيل كامل من الحياة الواقعية للحياة الإفتراضية وأخذ كُل معرفته منها. وأصبح الجميع يتعامل مع بعضهم البعض وفق تلك القواعد التي لا أساس لها من الصحة، والتي تخالف بالطبع فطرة الإنسان أولًأ وعقيدته ثانيًا.

هذا فُلان المشهور إذًا فكلامُهُ صحيح، وذاك الشيخ يحصل على ملايين المُشاهدات ففتواه أصدق وأقوى، وهذه الفنانة لها برنامج خاص على التليفزيون فكلامُها مُصَدَّق، وهذا يقول كلام به سجع ويحصد كم هائل من الإعجابات إذًا فهو شاعر وسنُنشئ محفل خصيصًا له ولمن مثله من الـ "شعراء".

 إن ما يُطرح من خلال تلك المواقع من وصايا واخبار وكلام وقواعد، لا يمكن أن تكون اكثر من "تجارب" شخصية خاصة بأصحابها، قابلت هوى وظنون من يريد أن يشعر نفس الشعور، أو مع مُضطرب نفسيًا وفارغ تشابهت بعض أحداث حكايته مع بعض أحداث حكاية الراوي، فظن هذا مثل ذاك وأصبح يتعامل على هذا الأساس.

خرج من نفسه وكينونته، ودخل في شخصية صاحب التجربة الشبيهه له!.

فعدما أتحدث معه أرى شخصًا غيره، وعندما يتحدث وحده أرى أفكارًا وقواعد لمشاهير صادفتني كتاباتهم!. أرى أُناسًا لا يُريدون التجاوز، وأرى من يستلِّذُّون بالألم ولا يريدون العلاج! تشبثوا بتجارب وجعلوا منها ثوابت وقواعد غير صالحة للنقاش. وضعوا أنفسهم داخل دائرة مُغلقة وأحاطوا أنفسهم بكم هائل من الأسئلة التي لا إجابة مُريحة لها. ولا إجابة منطقية لها أيضًا. 

ونسوا أو تناسوا أنهم سِلعة يتربَّحُ منها من يملُون عليهم تلك القواعد المسممة! من أين سيعيش أصحاب تلك الكلمات لو اكتشفت العامة كذبهم؟ هُم يصدرون لك الفكرة التى تنهي حياتك والتي تضمن لهم الحياة! كصاحب مصل يشفى الداء ولكن يبخل بمصله ليبيع المُسكِّنات.

 مَن قال لك أن الحُزن يدوم؟ من قال لك أن الحُب الأول إن فشل فلن يأتى حُب بعدُه؟ من قال لك أن القلوب لا تُجبر؟ من صدر لك فكرة الحزن الدائم؟. قل لمن يقول لك هذه الكلمات: ما مصدرك؟ ماهو المصدر الذي تستقي منه معلوماتك؟.

إن الله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، أكرمُ من أن يخلقك لتتعذب فقط. فمن حُسن خلقته لك أن جعلك تنكسر وتُجبر، وتتعافى وتقف من جديد وكأنك لم ترى بالأمس سقوط، الذي أضحك وأبكى، واترضى لك التكريم، وحذرك من الحزن وأوصاك بالإستعاذة منه وجعله من الشيطان.

تحقق مما تقرأه قبل أن تعتنقه .. أنت نموذج مختلف يمتلك تجربة مختلفة. لا تنخدع بما تقرأه وتسمعه. وابحث عن المعلومة، فالعِلمُ عزيز ولن يحوز المعلومة الصحيحة إلا من تعب وجاهد حتى يصل إليها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الياسا || قانون المغول || دستور جنكيز خان.

الدولة الوطاسية (الوطاسيون) || تلخيص من كتاب: الاستقصا لأخبار المغرب الأقصى لشهاب الدين السلاوي

خطة للإصلاح الإجتماعي مبنية على شواهد تاريخية.